ابن حجر العسقلاني

459

تلخيص الحبير ( ط العلمية )

وَفِي إسْنَادِهِ إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي يَحْيَى الْكَعْبِيُّ وَفِي تَرْجَمَتِهِ أَوْرَدَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَضَعَّفَهُ

--> = والاستثناء في اللسان معهود وموجود في الكتاب والسنة . قال تعالى : { فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس } [ الحجر : 30 - 31 ] . وقال أيضا : { لأغوينهم أجمعين إلا عبادك } [ الحجر : 39 - 40 ] ، وقال أيضا : { فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما } [ العنكبوت : 14 ] ، إلى غير ذلك ، ولهذا اتفقت الأئمة على أنه يجوز في الطلاق ، كما جاز في غيره ، وقد اشتهر في لسان أهل الشريعة تسمية التعليق بمشيئة الله استثناء . واختلف أصحابنا هل هو استثناء يعطي حكم الاستثناء ، أو تعليق له حكم التعليق ، وإن سمي في لسانهم اسنثناء على وجهين : قال الماوردي : المشهور : من مذهب الشافعي . إن صيغة استثناء تمنع انعقاد اللفظ فيصير اللفظ : كأنه لم يكن . وقال أبو إسحاق المروزي : إنه شرط له حكم التعليق بالشرط ، وإن كان ممنوع الوقوع ، لعدم الشرط . فإن تسميته استثناء تساهل ، لأن ذلك صيغة تعليق على شرط ، كإن دخلت الدر ونحوه ، وإن كان لا يبعد في اللغة تسمية كل تعليق استثناء ، فإن قول القائل : أنت طالق يقتضي وقوع الطلاق من غير قيد ، فإن علقه بالشرط فقد ثناه عن مقتضى إطلاقه . مذهب الشافعية : الاستثناء في الطلاق على ثلاثة أنواع : النوع الأول : يصح لفظا ونية ، وهو ما جاز أن يكون صفة للطلاق ، أو أمكن أن يكون حالا للمطلقة ، مثال ما يكون صفة للطلاق : أنت طالق من وثاقي ، أو أنت مسرحة إلى أهلك ، أو مفارقة إلى سفر فإن أظهره بلفظ صح ، وحمل عليه ظاهرا وباطنا ، ولم يقع طلاق ، لأن وضعه بما يجوز أن يكون من صفاته . وإن لم يظهره في لفظه وأضمره في نيته ، صح إضماره ودين فيما بينه وبين ربه ، ولم يلزمه الطلاق في الباطن ولزمه في الظاهر . وقال أبو حنيفة : يلزمه الطلاق ظاهرا وباطنا ، ولا يدين ، كما لا يدين ، إذا تلفظ بالطلاق مريدا به غيره . ودليلنا : قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا تحاسبوا العبد حساب الرب " أي : لا تحاسبوه إلا على الظاهر فقط ، وإن كان الله تعالى يحاسبه على الظاهر والباطن . وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنما أحكم بالظاهر ويتولى الله السرائر " ، ولأن اللفظ يحتمل ما نوى ، لأنه لو صرح به لكان محمولا عليه ، فاقتضى أن يكون مدينا فيه ، لأنه أحد احتماليه وليس كذلك ، إذا أوقع الطلاق مريدا به غير الطلاق ، لأنه يسلب اللفظ حكم الذي لا يحتمل غيره . ومثال ما يمكن أن يكون حالا للمطلقة : أنت طالق إن دخلت الدار ، أو إن كلمت زيدا ، فإن أظهر ذلك بلفظه حمل عليه في الظاهر ، ولم يقع الطلاق عليها ، إلا على الحال التي شرطها ، وإن أضمره بقلبه ، ولم يظهره بلفظ دين فيه بالباطن ، فلم يلزمه الطلاق إلا بذلك الشرط اعتبارا بما أضمره ، ولزمه في ظاهر الحكم اعتبارا بما أظهره . النوع الثاني : لا يصح مطلقا ، وهو ما كان فيه إبطال ما أوقع ، ونفي ما أثبت كقوله : أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا ، أو أنت طالق إلا أنت ، الطلاق واقع ظاهرا وباطنا ، وهذا الاستثناء باطل ، لأن وقوع الطلاق يمنع من رفعه لا سيما مع قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد : الطلاق ، والنكاح ، العتاق " ، والفرق بين ما هنا حيث بطل ، والنوع الأول ؛ حيث صح أن بذلك صفة محتلمة ، وحال ممكنة يبقى معها اللفظ على احتمال يجوز وهذا رجوع لا يحتمل ، ولا يجوز . = =